عبد الوهاب الشعراني
208
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وروى الترمذي وقال حديث حسن مرفوعا : « إذا مررتم برياض الجنّة فارتعوا ، قالوا : وما رياض الجنّة يا رسول اللّه ؟ قال : حلق الذّكر » . قلت : ولا يخفى أن محل أفضلية الذكر على غيره ما إذا تعلم العلم وعرف أمور دينه كلها إذ الذاكر جليس للحق ولا ينبغي مجالسته إلا بعد التضلع في أحكام الشريعة ، ويصير عنده علم بشروط جميع العبادات وآدابها ، وهناك يصلح لمجالسة الملك ، فإن الشريعة حكمها كالدهليز لمجالسته . ومن هنا قالوا : يجب على العبد أن يقدم العلم المتعلق بأدب الملوك على مجالستهم ومن جالسهم بلا أدب فهو إلى العطب أقرب واللّه تعالى أعلم . [ حفظ اللسان في كل مجلس من اللغو : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نحفظ لساننا في كل مجلس نجلسه عن كلام اللغو والفحش ما أمكن وإن وقعنا في ذلك فلا ننصرف حتى نذكر اللّه تعالى بما ورد ، أنه يكفر ما وقع في المجلس ، وذلك أن الملك لا يكتب ما عمله العبد من السيئات إلا بعد ساعة أو ثلاث ساعات كما ورد : « فإن استغفر لم يكتبها وإن لم يستغفر يكتبها » . وهذا من جملة رحمة اللّه تعالى بعباده من حيث كون رحمته وحلمه سبق غضبه وانتقامه فإذا وقع العبد في معصية تسابق إليه أسماء الرحمة والانتقام . ومعلوم أن أسماء الرحمة أسبق ، فتأتي أسماء الانتقام فتجد أسماء الرحمة قد سبقتها إلى محل الانتقام فرجعت أسماء الانتقام بلا تأثير فالحمد للّه رب العالمين . وكان الشيخ محيي الدين بن العربي يقول : إذا عصيت اللّه تعالى في أرض فلا تفارقها حتى تعمل فيها خيرا ، كقولك : لا إله إلا اللّه أو سبحان اللّه أو الحمد للّه فكلما صارت البقعة تشهد عليك كذلك صارت تشهد لك يوم القيامة واللّه يحفظ من يشاء كيف يشاء . وروى أبو داود والترمذي واللفظ له والنسائي وابن حبان في « صحيحه » والحاكم وقال الترمذي حديث حسن مرفوعا : « من جلس مجلسا كثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك : سبحانك اللّهمّ وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلّا أنت أستغفرك وأتوب إليك ، إلّا غفر له ما كان في مجلسه ذلك » . وروى أبو داود أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول بأخرة إذا أراد أن يقوم من المجلس : « سبحانك اللّهمّ وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك ، فقال رجل : يا رسول اللّه إنّك لتقول قولا ما كنت تقوله فيما مضى ؟ فقال : هو كفّارة لما يكون في المجلس » . وقوله بأخرة غير ممدود : أي بآخر أمره . وروى أبو داود وابن حبان في « صحيحه » عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال :